فصل: زيد بن علي بن الحسين بن علي

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البداية والنهاية **


 ثم دخلت سنة تسع عشرة ومائة

ففيها غزا الوليد بن القعقاع بلاد الروم‏.‏

وفيها قتل أسد بن عبد الله القسري ملك الترك الأعظم خاقان‏.‏

وكان سبب ذلك أن أسد بن عبد الله أمير خراسان عمل نيابة عن أخيه خالد بن عبد الله على العراق، ثم سار بجيوشه إلى مدينة خُتَّل فافتتحها، وتفرقت في أرضها جنوده يقتلون ويأسرون ويغنمون‏.‏

فجاءت العيون إلى ملك الترك خاقان‏:‏ أن جيش أسد قد تفرق في بلاد خُتَّل، فاغتنم خاقان هذه الفرصة فركب من فوره في جنوده قاصداً إلى أسد، وتزود خاقان وأصحابه سلاحاً كثيراً، وقديداً وملحاً، وساروا في حنق عظيم‏.‏

وجاؤوا إلى أسد فأعلموه بقصد خاقان له في جيش عظيم كثيف، فتجهز لذلك وأخذ أهبته، فأرسل من فوره إلى أطراف جيشه، فلمها وأشاع بعض الناس أن خاقان قد هجم على أسد بن عبد الله فقتله وأصحابه، ليحصل بذلك خذلان لأصحابه، فلا يجتمعون إليه، فرد الله كيدهم في نحورهم، وجعل تدميرهم في تدبيرهم‏.‏

وذلك أن المسلمين لما سمعوا بذلك أخذتهم حمية الإسلام وازدادوا حنقاً على عدوهم، وعزموا على الأخذ بالثأر، فقصدوا الموضع الذي فيه أسد، فإذا هو حي قد اجتمعت عليه العساكر من كل جانب‏.‏

وسار أسد نحو خاقان حتى أتى جبل الملح، و أراد أن يخوض نهر بلخ، وكان معهم أغنام كثيرة، فكره أسد أن يتركها وراء ظهره، فأمر كل فارس أن يحمل بين يديه شاة وعلى عنقه شاة، وتوعد من لم يفعل ذلك بقطع اليد، وحمل هو معه شاة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/353‏)‏

وخاضوا النهر، فما خلصوا منه جيداً حتى دهمهم خاقان من ورائهم في خيل دهم، فقتلوا من وجدوه لم يقطع النهر وبعض الضعفة، فلما وقفوا على حافة النهر أحجموا وظن المسلمون أنهم لا يقطعون إليهم النهر، فتشاور الأتراك فيما بينهم، ثم اتفقوا على أن يحملوا حملة واحدة - وكانوا خمسين ألفاً - فيقتحمون النهر، فضربوا بكؤساتهم ضرباً شديداً حتى ظن المسلمون أنهم معهم في عسكرهم، ثم رموا بأنفسهم في النهر رمية واحدة، فجعلت خيولهم تنخر أشد النخير‏.‏

وخرجوا منه إلى ناحية المسلمين فثبت المسلمون في معسكرهم، وكانوا قد خندقوا حولهم خندقاً لا يخلصون إليهم منه، فبات الجيشان تتراءى نارهما، فلما أصبحا مال خاقان على بعض الجيش الذي للمسلمين فقتل منهم خلقاً وأسر أمماً وإبلاً موقرة، ثم إن الجيشين تواجهوا في يوم عيد الفطر حتى خاف جيش أسد أن لا يصلوا صلاة العيد، فما صلوها إلا على وجل‏.‏

ثم سار أسد بمن معه حتى نزل مرج بلخ، حتى انقضى الشتاء، فلما كان يوم عيد الأضحى خطب أسد الناس واستشارهم في الذهاب إلى مرو، أو في لقاء خاقان، أو في التحصن ببلخ‏.‏

فمنهم من أشار بالتحصن، ومنهم من أشار بملتقاه والتوكل على الله، فوافق ذلك رأي أسد الأسد، فقصد بجيشه نحو خاقان، وصلى بالناس ركعتين أطال فيهما، ثم دعا بدعاء طويل، ثم انصرف وهو يقول‏:‏ نصرتم إن شاء الله‏.‏

ثم سار بمن معه من المسلمين فالتقت مقدمته بمقدمة خاقان، فقتل المسلمون منهم خلقاً وأسروا أميرهم وسبعة أمراء معه، ثم ساق أسد فانتهى إلى أغنامهم فاستاقها، فإذا هي مائة ألف وخمسون ألف شاة، ثم التقى معهم، وكان خاقان إنما معه أربعة آلاف أو نحوها، ومعه رجل من العرب قد خامر إليه، يقال له‏:‏ الحارث بن سريج، فهو يدلهم على عورات المسلمين‏.‏

فلما أقبل الناس هربت الأتراك في كل جانب، وانهزم خاقان ومعه الحارث بن سريج يحميه ويتبعه، فتبعهم أسد، فلما كان عند الظهيرة انخذل خاقان في أربعمائة من أصحابه، عليهم الخز ومعهم الكؤسات، فلما أدركه المسلمون أمر بالكؤسات فضربت ضرباً شديداً ضرب الانصراف ثلاث مرات فلم يستطيعوا الانصراف‏.‏

فتقدم المسلمون فاحتاطوا على معسكرهم فاحتازوه بما فيه من الأمتعة العظيمة، والأواني من الذهب والفضة، والنساء والصبيان، من الأتراك ومن معهم من الأسارى من المسلمات وغيرهم، مما لا يحد ولا يوصف لكثرته وعظمه وقيمته وحسنه‏.‏

غير أن خاقان لما أحس بالهلاك ضرب امرأته بخنجر فقتلها، فوصل المسلمون إلى المعسكر وهي في آخر رمق تتحرك، ووجدوا قدورهم تغلي بأطعماتهم، وهرب خاقان بمن معه حتى دخل بعض المدن فتحصن بها، فاتفق أنه لعب بالنرد مع بعض الأمراء فغلبه الأمير فتوعده خاقان بقطع اليد، فحنق عليه ذلك الأمير ثم عمل على قتله فقتله، وتفرقت الأتراك يعدو بعضهم على بعض، وينهب بعضهم بعضاً‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/354‏)‏

وبعث أسد إلى أخيه خالد يعلمه بما وقع من النصر والظفر بخاقان، وبعث إليه بطبول خاقان - وكانت كباراً لها أصوات كالرعد - وبشيء كثير من حواصله وأمتعته، فأوفدها خالد إلى أمير المؤمنين هشام ففرح بذلك فرحاً شديداً، وأطلق للرسل أموالاً جزيلةً كثيرةً من بيت المال، وقد قال بعض الشعراء في أسد يمدحه على ذلك‏:‏

لو سرت في الأرض تقيس الأرضا * تقيس منها طولها والعرضا

لم تلق خيراً إمرة ونقضا * من الأمير أسد وأمضى

أفضى إلينا الخير حتى أفضا * وجمع الشمل وكان أرفضا

ما فاته خاقان إلا ركضا * قد فضَ من جموعه ما فضا

يا ابن سريج قد لقيت حمضا * حمضاً به تشفى صداع المرضى

وفيها قتل خالد بن عبد القسري المغيرة بن سعيد وجماعة من أصحابه الذين تابعوه على باطله، وكان هذا الرجل ساحراً فاجراً شيعياً خبيثاً‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ ثنا ابن حميد، ثنا جرير، عن الأعمش، قال‏:‏ سمعت المغيرة بن سعيد، يقول‏:‏ لو أراد أن يحيي عاداً وثموداً وقروناً بين ذلك لأحياهم‏.‏

قال الأعمش‏:‏ وكان المغيرة هذا يخرج إلى المقبرة فيتكلم فيرى مثل الجراد على القبور، أو نحو هذا من الكلام‏.‏

وذكر ابن جرير له غير ذلك من الأشياء التي تدل على سحره وفجوره‏.‏

ولما بلغ خالداً أمره أمر بإحضاره فجيء به في ستة نفر أو سبعة نفر، فأمر خالد فأبرز سريره إلى المسجد، وأمر بإحضار أطناب القصب والنفط فصب فوقها، وأمر المغيرة أن يحتضن طنباً منها، فامتنع فضرب حتى احتضن منها طنباً واحداً، وصب فوق رأسه النفط، ثم أضرم بالنار‏.‏ وكذلك فعل ببقية أصحابه‏.‏

وفي هذه السنة خرج رجل يقال له‏:‏ بهلول بن بشر، ويلقب‏:‏ بكثارة، واتبعه جماعات من الخوارج دون المائة، وقصدوا قتل خالد القسري، فبعث إليهم البعوث فكسروا الجيوش واستفحل أمرهم جداً لشجاعتهم وجلدهم، وقلة نصح من يقاتلهم من الجيوش، فردوا العساكر من الألوف المؤلفة، ذوات الأسلحة والخيل المسومة، هذا وهم لم يبلغوا المائة‏.‏

ثم إنهم راموا قدوم الشام لقتل الخليفة هشام، فقصدوا نحوها، فاعترضهم جيش بأرض الجزيرة فاقتتلوا معهم قتالاً عظيماً، فقتلوا عامة أصحاب بهلول الخارجي‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/355‏)‏

ثم إن رجلاً من جديلة، يكنى‏:‏ أبا الموت، ضرب بهلولاً ضربةً فصرعه وتفرقت عنه بقية أصحابه، وكانوا جميعهم سبعين رجلاً، وقد رثاهم بعض أصحابهم فقال‏:‏

بدلت بعد أبي بشر وصحبته * قوماً عليَّ مع الأحزاب أعوانا

بانوا كأن لم يكونوا من صحابتنا * ولم يكونوا لنا بالأمس خلانا

يا عين أذري دموعاً منك تهتنانا * وابكي لنا صحبة بانوا وجيرانا

خلوا لنا ظاهر الدنيا وباطنها * وأصبحوا في جنان الخلد جيرانا

ثم تجمع طائفة منهم أخرى على بعض أمرائهم فقاتلوا وقتلوا وقتلوا، وجهزت إليهم العساكر من عند خالد القسري، ولم يزل حتى أباد خضرائهم ولم يبق لهم باقية‏.‏

وفيها غزا أسد القسري بلاد الترك، فعرض عليه ملكهم طرخان خان ألف ألف فلم يقبل منه شيئاً، وأخذه قهراً فقتله صبراً بين يديه، وأخذ مدينته وقلعته وحواصله ونساءه وأمواله‏.‏

وفيها خرج الصحارى بن شيب الخارجي واتبعه طائفة قليلة نحواً من ثلاثين رجلاً، فبعث إليهم خالد القسري جنداً فقتلوه وجميع أصحابه، فلم يتركوا منهم رجلاً واحداً‏.‏

وحج بالناس في هذه السنة أبو شاكر مسلمة بن هشام بن عبد الملك، وحج معه ابن شهاب الزهري ليعلمه مناسك الحج، وكان أمير مكة والمدينة والطائف محمد بن هشام بن إسماعيل، وأمير العراق والمشرق وخراسان خالد القسري، ونائبه على خراسان بكمالها أخوه أسد بن عبد الله القسري‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنه توفي في هذه السنة، وقيل‏:‏ في سنة عشرين، فالله أعلم‏.‏

ونائب أرمينية وأزربيجان مروان الحمار، والله أعلم‏.‏

 سنة عشرين ومائة من الهجرة

فيها غزا سليمان بن هشام بلاد الروم وافتتح فيها حصوناً‏.‏

وفيها غزا إسحاق بن مسلم العقيلي تومان شاه، وافتتحها وخرب أراضيها‏.‏

وفيها غزا مروان بن محمد بلاد الترك‏.‏

وفيها كانت وفاة أسد بن عبد الله القسري أمير خراسان، وكانت وفاته بسبب أنه كانت له دُبيلة في جوفه، فلما كان مهرجان هذه السنة قدمت الدهاقين - وهم‏:‏ أمراء المدن الكبار - من سائر البلدان بالهدايا والتحف على أسد، وكان فيمن قدم نائب هراة ودهقانها، واسم دهقانها‏:‏ خراسان شاه، فقدم بهدايا عظيمة وتحف عزيزة، وكان من جملة ذلك قصر من ذهب، وقصر من فضة، وأباريق من ذهب، وصحاف من ذهب وفضة، وتفاصيل من حرير تلك البلاد ألوان ملونة، فوضع ذلك كله بين يدي أسد حتى امتلأ المجلس‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/356‏)‏

ثم قام الدهقان خطيباً فامتدح أسداً بخصال حسنة، على عقله ورياسته وعدله ومنعه أهله وخاصته أن يظلموا أحداً من الرعايا بشيء قل أو كثر، وأنه قهر الخان الأعظم، وكان في مائة ألف فكسره وقتله، وأنه يفرح بما يفد إليه من الأموال، وهو بما خرج من يده أفرح وأشد سروراً، فأثنى عليه أسد وأجلسه، ثم فرق أسد جميع تلك الهدايا والأموال وما هناك أجمع على الأمراء والأكابر بين يديه، حتى لم يبق منه شيء‏.‏

ثم قام من مجلسه وهو عليل من تلك الدبيلة، ثم أفاق إفاقة وجيء بهدية كمثرى فجعل يفرقها على الحاضرين واحدة واحدة، فألقى إلى دهقان خراسان واحدة‏.‏

فانفجرت دبيلته وكان فيها حتفه، واستخلف على عمله جعفر بن حنظلة البهراني، فمكث أميراً أربعة أشهر حتى جاء عهد نصر بن سيار في رجب منها، فعلى هذا تكون وفاة أسد في صفر من هذه السنة‏.‏

وقد قال ابن عرس العبدي يرثيه‏:‏

نعى أسد بن عبد الله ناع * فريع القلب للملك المطاع

ببلخ وافق المقدار يسري * وما لقضاء ربك من دفاع

فجودي عين بالعبرات سحاً * ألم يحزنك تفريق الجماع

أتاه حِمامهُ في جوف ضيع * وكم بالضيع من بطل شجاع

أتاه حمامه في جوف صيغ * وكم بالصيغ من بطل شجاع

كتائب قد يجيبون المنادي * على جرد مسومة سراع

سقيت الغيث إنك كنت غيثاً * مريعاً عند مرتاد النجاع

وفيها عزل هشام خالد بن عبد الله القسري عن نيابة العراق، وذلك أنه انحصر منه لما كان يبلغه من إطلاق عبارة فيه، وأنه كان يقول عنه‏:‏ ابن الحمقاء، وكتب إليه كتاباً فيه غلظة، فرد عليه هشام رداً عنيفاً‏.‏

ويقال‏:‏ إنه حسده على سعة ما حصل له من الأموال والحواصل والغلات، حتى قيل‏:‏ إنه كان دخله في كل سنة ثلاثة عشر ألف ألف دينار، وقيل‏:‏ درهم، ولولده يزيد بن خالد عشرة آلاف ألف‏.‏

وقيل‏:‏ إنه وفد إليه رجل من إلزام أمير المؤمنين من قريش، يقال له‏:‏ ابن عمرو، فلم يرحب به ولم يعبأ به، فكتب إليه هشام يعنفه ويبكته على ذلك، وأنه حال وصول هذا الكتاب إليه يقوم من فوره بمن حوله من أهل مجلسه فينطلق على قدميه حتى يأتي باب ابن عمرو صاغراً ذليلاً مستأذناً عليه، متنصلاً إليه مما وقع، فإن أذن لك وإلا فقف على بابه حولاً غير متحلل من مكانك ولا زائل، ثم أمرك إليه إن شاء عزلك وإن شاء أبقاك، وإن شاء انتصر، وإن شاء عفا‏.‏

وكتب إلى ابن عمرو يعلمه بما كتب إلى خالد، وأمره إن وقف بين يديه أن يضربه عشرين سوطاً على رأسه، إن رأى ذلك مصلحة‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/357‏)‏

ثم إن هشاماً عزل خالداً وأخفى ذلك، وبعث البريد إلى نائبه على اليمن وهو‏:‏ يوسف بن عمرو فولاه إمرة العراق، وأمره بالمسير إليها والقدوم عليها في ثلاثين راكباً، فقدموا الكوفة وقت السحر، فدخلوها، فلما أذن المؤذن أمره يوسف بالإقامة، فقال‏:‏ إلى أن يأتي الإمام - يعني‏:‏ خالداً - فانتهره وأمره بالإقامة، وتقدم يوسف فصلى وقرأ‏:‏ ‏{‏إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ‏}‏ ‏[‏الواقعة‏:‏ 1‏]‏ و ‏{‏سَأَلَ سَائِلٌ‏}‏ ‏[‏المعارج‏:‏ 1‏]‏

ثم انصرف فبعث إلى خالد وطارق وأصحابهما، فاحضروا فأخذ منهم أموالاً كثيرةً، صادر خالداً بمائة ألف ألف درهم، وكانت ولاية خالد في شوال سنة خمس ومائة، وعزل عنها في جمادى الأولى من هذه السنة - أعني‏:‏ سنة عشرين ومائة -‏.‏

وفي هذا الشهر قدم يوسف بن عمر على ولاية العراق مكان خالد بن عبد الله القسري، واستناب على خراسان جُديع بن علي الكرماني، وعزل جعفر بن حنظلة الذي كان استنابه أسد‏.‏

ثم إن يوسف بن عمر عزل جديعاً في هذه السنة عن خراسان، وولى عليها نصر بن سيار، وذهب جميع ما كان اقتناه وحصله خالد من العقار والأملاك وهلة واحدة‏.‏

وقد كان أشار عليه بعض أصحابه لما بلغهم عتب هشام عليه أن يبعث إليه يعرض عليه بعض أملاكه، فما أحب منها أخذه وما شاء ترك، وقالوا له‏:‏ لأن يذهب البعض خير من أن يذهب الجميع مع العزل والاخراق، فامتنع من ذلك واغتر بالدنيا وعزت نفسه عليه أن يذل، ففجأه العزل، وذهب ما كان حصله وجمعه ومنعه، واستقرت ولاية يوسف بن عمر على العراق وخراسان، واستقرت نيابة نصر بن سيار على خراسان، فتمهدت البلاد وأمن العباد، والله الحمد والمنة‏.‏

وقد قال سوار بن الأشعري في ذلك‏:‏

أضحت خراسان بعد الخوف آمنةً * من ظلم كل غشوم الحكم جبار

لما أتى يوسفاً أخبار ما لقيت * اختار نصراً لها نصر بن سيار

وفي هذه السنة استبطأت شيعة آل العباس كتاب محمد بن علي إليهم، وقد كان عتب عليهم في اتباعهم ذلك الزنديق الملقب‏:‏ بخداش، وكان خُرَّمياً، وهو الذي أحل لهم المنكرات ودنَّس المحارم والمصاهرات، فقتله خالد القسري كما تقدم‏.‏

فعتب عليهم محمد بن علي في تصديقهم له واتباعهم إياه على الباطل، فلما استبطأوا كتابه إليهم بعث إليهم رسولاً يخبر لهم أمره، وبعثوا هم أيضاً رسولاً، فلما جاء رسولهم أعلمه محمد بماذا عتب عليهم بسبب الخُرَّمي، ثم أرسل مع الرسول كتاباً مختوماً، فلما فتحوه لم يجدوا فيه سوى‏:‏ بسم الله الرحمن الرحيم، تعلموا أنه إنما عتبنا عليكم بسبب الخرمي‏.‏

ثم أرسل رسولاً إليهم فلم يصدقه كثير منهم وهموا به، ثم جاءت من جهته عصى ملوياً عليها حديد ونحاس، فعلموا أن هذا إشارة لهم إلى أنهم عصاة، وأنهم مختلفون كاختلاف ألوان النحاس والحديد‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وحج بالناس فيها محمد بن هشام المخزومي فيما قاله أبو معشر‏.‏

قال‏:‏ وقد قيل‏:‏ إن الذي حج بالناس سليمان بن هشام بن عبد الملك‏.‏

وقيل‏:‏ ابنه يزيد بن هشام، فالله سبحانه وتعالى أعلم‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/358‏)‏

 ثم دخلت سنة إحدى وعشرين ومائة

ففيها غزا مسلمة بن هشام الروم فافتتح مطامير وهو حصن‏.‏

وافتتح مروان بن محمد بلاد صاحب الذهب، وأخذ قلاعه وخرب أرضه، فأذعن له بالجزية في كل سنة بألف رأس يؤديها إليه، وأعطاه رهناً على ذلك‏.‏

وفيها في صفر قتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، الذي تنسب إليه الطائفة الزيدية، في قول الواقدي‏.‏

وقال هشام الكلبي‏:‏ إنما قتل في صفر من سنة ثنتين وعشرين، فالله أعلم‏.‏

وقد ساق محمد بن جرير سبب مقتله في هذه السنة تبعاً للواقدي، وهو أن زيداً هذا وفد على يوسف بن عمر فسأله‏:‏ هل أودع خالد القسري عندك مالاً‏؟‏

فقال له زيد بن علي‏:‏ كيف يودعني مالاً وهو يشتم آبائي على منبره في كل جمعة‏؟‏

فأحلفه أنه ما أودع عنده شيئاً، فأمر يوسف بن عمر بإحضار خالد من السجن فجيء به في عباءة‏.‏

فقال‏:‏ أنت أودعت هذا شيئاً نستخلصه منه‏؟‏

قال‏:‏ لا، وكيف وأنا أشتم أباه كل جمعة‏؟‏

فتركه عمر وأعلم أمير المؤمنين بذلك فعفا عن ذلك‏.‏

ويقال‏:‏ بل استحضرهم فحلفوا بما حلفوا‏.‏

ثم إن طائفة من الشيعة التفت على زيد بن علي، وكانوا نحواً من أربعين ألفاً، فنهاه بعض النصحاء عن الخروج، وهو محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب، وقال له‏:‏ إن جدك خير منك، وقد التفت على بيعته من أهل العراق ثمانون ألفاً، ثم خانوه أحوج ما كان إليهم، وإني أحذرك من أهل العراق‏.‏

فلم يقبل بل استمر يبايع الناس في الباطن في الكوفة، على كتاب الله وسنة رسوله حتى استفحل أمره بها في الباطن، وهو يتحول من منزل إلى منزل، وما زال كذلك حتى دخلت سنة ثنيتن وعشرين ومائة، فكان فيها مقتله كما سنذكر قريباً‏.‏

وفيها غزا نصر بن سيار أمير خراسان غزوات متعددة في الترك، وأسر ملكهم كور صول في بعض تلك الحروب وهو لا يعرفه، فلما تيقنه وتحققه، سأل منه كور صول أن يطلقه على أن يرسل له ألف بعير من إبل الترك - وهي‏:‏ البخاتي - وألف برذون، وهو مع ذلك شيخ كبير جداً، فشاور نصر من بحضرته من الأمراء في ذلك، فمنهم من أشار بإطلاقه، ومنهم من أشار بقتله‏.‏

ثم سأله نصر بن سيار‏:‏ كم غزوت من غزوة‏؟‏

فقال‏:‏ ثنتين وسبعين غزوة‏.‏

فقال له نصر‏:‏ ما مثلك يطلق، وقد شهدت هذا كله‏.‏

ثم أمر به فضربت عنقه وصلبه‏.‏

فلما بلغ ذلك جيشه من قتله باتوا تلك الليلة يجعرون ويبكون عليه، وجذوا لحاهم وشعورهم وقطعوا آذانهم وحرقوا خياماً كثيرةً، وقتلوا أنعاماً كثيرةً، فلما أصبح أمر نصر بإحراقه لئلا يأخذوا جثته، فكان حريقه أشد عليهم من قتله، وانصرفوا خائبين صاغرين خاسرين‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/359‏)‏

ثم كر نصر على بلادهم فقتل منهم خلقاً وأسر أمماً لا يحصون كثرة‏.‏

وكان فيمن حضر بين يديه عجوز كبيرة جداً من الأعاجم أو الأتراك، وهي من بيت مملكة، فقالت لنصر بن سيار‏:‏ كل ملك لا يكون عنده ستة أشياء فهو ليس بملك‏:‏ وزير صادق يفصل خصومات الناس ويشاوره ويناصحه، وطباخ يصنع له ما يشتهيه، وزوجة حسناء إذا دخل عليها مغتماً فنظر إليها سرته وذهب غمه، وحصن منيع إذا فزع رعاياه لجأوا إليه فيه، وسيف إذا قارع به الأقران لم يخش خيانته، وذخيرة إذا حملها فأين ما وقع من الأرض عاش بها‏.‏

وحج بالناس فيها محمد بن هشام بن إسماعيل نائب مكة والمدينة والطائف، ونائب العراق يوسف بن عمر، ونائب خراسان نصر بن سيار، وعلى أرمينية مروان بن محمد‏.‏

 ذكر من توفي فيها من الأعيان‏:‏

 زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب

والمشهور أنه قتل في التي بعدها كما سيأتي بيانه إن شاء الله‏.‏

 مسلمة بن عبد الملك

ابن مروان القرشي الأموي، أبو سعيد وأبو الأصبغ الدمشقي‏.‏

قال ابن عساكر‏:‏ وداره بدمشق في حجلة القباب عند باب الجامع القبلي، ولي الموسم أيام أخيه الوليد، وغزا الروم غزوات وحاصر القسطنطينية، وولاه أخوه يزيد إمرة العراقيين، ثم عزله وتولى أرمينية‏.‏

وروى الحديث عن‏:‏ عمر بن عبد العزيز، وعنه‏:‏ عبد الملك بن أبي عثمان، وعبيد الله بن قزعة، وعيينة والد سفيان بن عينية، وابن أبي عمران، ومعاوية بن خديج، ويحيى بن يحيى الغساني‏.‏

قال الزبير بن بكار‏:‏ كان مسلمة من رجال بني أمية، وكان يلقب بالجرادة الصفراء، وله آثار كثيرة، وحروب ونكاية في العدو من الروم وغيرهم‏.‏

قلت‏:‏ وقد فتح حصوناً كثيرةً من بلاد الروم‏.‏

ولما ولي أرمينية غزا الترك فبلغ باب الأبواب فهدم المدينة التي عنده، ثم أعاد بناءها بعد تسع سنين‏.‏

وفي سنة ثمان وتسعين غزا القسطنطينية فحاصرها وافتتح مدينة الصقالبة، وكسر ملكهم البرجان، ثم عاد إلى محاصرة القسطنطينية‏.‏

قال الأوزاعي‏:‏ فأخذه وهو يغازيهم صداع عظيم في رأسه، فبعث ملك الروم إليه بقلنسوة وقال‏:‏ ضعها على رأسك يذهب صداعك، فخشي أن تكون مكيدة فوضعها على رأس بهيمة فلم ير إلا خيراً، ثم وضعها على رأس بعض أصحابه فلم ير إلا خيراً، فوضعها على رأسه فذهب صداعه، ففتقها فإذا فيها سبعون سطراً هذه الآية‏:‏ ‏{‏إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا‏}‏ ‏[‏فاطر‏:‏ 41‏]‏ الآية مكررة لا غير، رواه ابن عساكر‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/360‏)‏

وقد لقي مسلمة في حصاره القسطنطينية شدة عظيمة، وجاع المسلمون عندها جوعاً شديداً، فلما ولي عمر بن عبد العزيز أرسل إليهم البريد يأمرهم بالرجوع إلى الشام، فحلف مسلمة أن لا يقلع عنهم حتى يبنوا له جامعاً كبيراً بالقسطنطينية، فبنوا له جامعاً ومنارةً، فهو بها إلى الآن يصلي فيه المسلمون الجمعة والجماعة‏.‏

قلت‏:‏ وهي آخر ما يفتحه المسلمون قبل خروج الدجال في آخر الزمان، كما سنورده في الملاحم والفتن من كتابنا هذا إن شاء الله، ونذكر الأحاديث الواردة في ذلك هناك‏.‏

وبالجملة كانت لمسلمة مواقف مشهورة، ومساعي مشكورة، وغزوات متتالية منثورة، وقد افتتح حصوناً وقلاعاً، وأحيا بعزمه قصواراً وبقاعاً، وكان في زمانه في الغزوات نظير خالد بن الوليد في أيامه، في كثرة مغازيه، وكثرة فتوحه، وقوة عزمه، وشدة بأسه، وجودة تصرفه في نقضه وإبرامه، وهذا مع الكرم والفصاحة‏.‏

وقال يوماً لنصيب الشاعر‏:‏ سلني‏.‏

قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ ولم‏؟‏

قال‏:‏ لأن كفك بالجزيل أكثر من مسألتي باللسان‏.‏

فأعطاه ألف دينار‏.‏

وقال أيضاً‏:‏ الأنبياء لا يتنابون كما يتناب الناس، ما ناب نبي قط وقد أوصى بثلث ماله لأهل الأدب، وقال‏:‏ إنها صنعة جحف أهلها‏.‏

وقال الوليد بن مسلم وغيره‏:‏ توفي يوم الأربعاء لسبع مضين من المحرم سنة إحدى وعشرين ومائة‏.‏

وقيل‏:‏ في سنة عشرين ومائة‏.‏

وكانت وفاته بموضع يقال له‏:‏ الحانوت، وقد رثاه بعضهم، وهو ابن أخيه الوليد بن يزيد بن عبد الملك فقال‏:‏

أقول وما البعد إلا الردى * أمسلم لا تبعدن مسلمهْ

فقد كنت نوراً لنا في البلاد * مضيئاً فقد أصبحت مظلمهْ

ونكتم موتك نخشى اليقين * فأبدى اليقين لنا الجمجهْ

 نمير بن قيس

الأشعري، قاضي دمشق، تابعي جليل، روى عن‏:‏ حذيفة مرسلاً، وأبي موسى مرسلاً، وأبي الدرداء وعن معاوية مرسلاً، وغير واحد من التابعين‏.‏

وحدث عنه جماعة كثيرون، منهم‏:‏ الأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، ويحيى بن الحارث الذماري‏.‏

ولاه هشام بن عبد الملك القضاء بدمشق بعد عبد الرحمن بن الخشخاش العذري، ثم استعفى هشاماً فعفاه وولى مكانه يزيد بن عبد الرحمن بن أبي مالك‏.‏

وكان نمير هذا لا يحكم باليمين مع الشاهد‏.‏

وكان يقول‏:‏ الأدب من الآباء، والصلاح من الله‏.‏

قال غير واحد‏:‏ توفي سنة إحدى وعشرين ومائة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة ثنتين وعشرين ومائة‏.‏

وقيل‏:‏ سنة خمس عشرة ومائة، وهو غريب، والله سبحانه أعلم‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/361‏)‏

 ثم دخلت سنة ثنين وعشرين ومائة

ففيها كان مقتل زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، وكان سبب ذلك أنه لما أخذ البيعة ممن بايعه من أهل الكوفة، أمرهم في أول هذه السنة بالخروج والتأهب له، فشرعوا في أخذ الأهبة لذلك‏.‏

فانطلق رجل يقال له‏:‏ سليمان بن سراقة إلى يوسف بن عمر نائب العراق فأخبره - وهو بالحيرة يومئذ - خبر زيد بن علي هذا ومن معه من أهل الكوفة، فبعث يوسف بن عمر يتطلبه ويلح في طلبه‏.‏

فلما علمت الشيعة ذلك اجتمعوا عند زيد بن علي فقالوا له‏:‏ ما قولك يرحمك الله في أبي بكر وعمر‏؟‏

فقال‏:‏ غفر الله لهما، ما سمعت أحداً من أهل بيتي تبرأ منهما، وأنا لا أقول فيهما إلا خيراً‏.‏

قالوا‏:‏ فلم تطلب إذا بدم أهل البيت‏؟‏

فقال‏:‏ إنا كنا أحق الناس بهذا الأمر، ولكن القوم استأثروا علينا به ودفعونا عنه، ولم يبلغ ذلك عندنا بهم كفراً، قد ولوا فعدلوا، وعملوا بالكتاب والسنة‏.‏

قالوا‏:‏ فلم تقاتل هؤلاء إذا‏؟‏

قال‏:‏ إن هؤلاء ليسوا كأولئك، إن هؤلاء ظلموا الناس وظلموا أنفسهم، وإني أدعو إلى كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وإحياء السنن وإماتة البدع، فإن تسمعوا يكن خيراً لكم ولي، وإن تأبوا فلست عليكم بوكيل‏.‏

فرفضوه وانصرفوا عنه ونقضوا بيعته وتركوه، فلهذا سموا‏:‏ الرافضة من يومئذ، ومن تابعه من الناس على قوله سموا‏:‏ الزيدية‏.‏

وغالب أهل الكوفة منهم رافضة، وغالب أهل مكة إلى اليوم على مذهب الزيدية، وفي مذهبهم حق، وهو تعديل الشيخين، وباطل وهو اعتقاد تقديم علي عليهما، وليس علي مقدماً عليهما، بل ولا عثمان على أصح قولي أهل السنة الثابتة، والآثار الصحيحة الثابتة عن الصحابة، وقد ذكرنا ذلك في سيرة أبي بكر وعمر فيما تقدم‏.‏

ثم إن زيداً عزم على الخروج بمن بقي معه من أصحابه، فواعدهم ليلة الأربعاء من مستهل صفر من هذه السنة‏.‏

فبلغ ذلك يوسف بن عمر، فكتب إلى نائبه على الكوفة وهو‏:‏ الحكم بن الصلت يأمره بجمع الناس كلهم في المسجد الجامع، فجمع الناس لذلك في يوم الثلاثاء سلخ المحرم، قبل خروج زيد بيوم‏.‏

وخرج زيد ليلة الأربعاء في برد شديد، ورفع أصحابه النيران وجعلوا ينادون‏:‏ يا منصور يا منصور، فلما طلع الفجر إذا قد اجتمع معه مائتان وثمانية عشر رجلاً‏.‏

فجعل زيد يقول‏:‏ سبحان الله ‏!‏‏!‏ أين الناس‏؟‏

فقيل‏:‏ هم في المسجد محصورون‏.‏

وكتب الحكم إلى يوسف يعلمه بخروج زيد بن علي، فبعث إليه سرية إلى الكوفة، وركبت الجيوش مع نائب الكوفة، وجاء يوسف بن عمر أيضاً في طائفة كبيرة من الناس، فالتقى بمن معه جرثومة منهم فيهن خمسمائة فارس، ثم أتى الكناسة فحمل على جمع من أهل الشام فهزمهم، ثم اجتاز بيوسف بن عمر وهو واقف فوق تل، وزيد في مائتي فارس ولو قصد يوسف بن عمر لقتله، ولكن أخذ ذات اليمين، وكلما لقي طائفة هزمهم‏.‏

وجعل أصحابه ينادون‏:‏ يا أهل الكوفة اخرجوا إلى الدين والعز والدنيا، فإنكم لستم في دين ولا عز ولا دنيا‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/362‏)‏

ثم لما أمسوا انضاف إليه جماعة من أهل الكوفة، وقد قتل بعض أصحابه في أول يوم‏.‏

فلما كان اليوم الثاني اقتتل هو وطائفة من أهل الشام فقتل منهم سبعين رجلاً، وانصرفوا عنه بشرِّ حال‏.‏

وأمسوا فعبأ يوسف بن عمر جيشه جداً، ثم أصبحوا فالتقوا مع زيد فكشفهم حتى أخرجهم إلى السبخة، ثم شد عليهم حتى أخرجهم إلى بني سليم، ثم تبعهم في خيله ورجله حتى أخذوا على المسناة ثم اقتتلوا هناك قتالاً شديداً جداً، حتى كان جنح الليل رمي زيد بسهم فأصاب جانب جهته اليسرى، فوصل إلى دماغه، فرجع ورجع أصحابه، ولا يظن أهل الشام أنهم رجعوا إلا لأجل المساء والليل‏.‏

وأدخل زيد في دار في سكة البريد، وجيء بطبيب فانتزع ذلك السهم من جبهته، فما عدا أن انتزعه حتى مات في ساعته رحمه الله‏.‏

فاختلف أصحابه أين يدفنونه، فقال بعضهم‏:‏ ألبسوه درعه وألقوه في الماء‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ احتزوا رأسه واتركوا جثته في القتلى‏.‏

فقال ابنه‏:‏ لا والله لا تأكل أبي الكلاب‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ ادفنوه في العباسية‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ ادفنوه في الحفرة التي يؤخذ منها الطين ففعلوا ذلك، وأجروا على قبره الماء لئلا يعرف‏.‏

وانفتل أصحابه حيث لم يبق لهم رأس يقاتلون به، فما أصبح الفجر ولهم قائمة ينهضون بها، وتتبع يوسف بن عمر الجرحى هل يجد زيداً بينهم، وجاء مولى لزيد سندي قد شهد دفنه فدل على قبره فأخذ من قبره، فأمر يوسف بن عمر بصلبه على خشبة بالكناسة، ومعه نضر بن خزيمة، ومعاوية بن إسحاق بن زيد بن حارثة الأنصاري، وزياد النهدي‏.‏

ويقال‏:‏ إن زيداً مكث مصلوباً أربع سنين، ثم أنزل بعد ذلك وأحرق، فالله أعلم‏.‏

وقد ذكر أبو جعفر بن جرير الطبري‏:‏ أن يوسف بن عمر لم يعلم بشيء من ذلك حتى كتب له هشام بن عبد الملك‏:‏ إنك لغافل، وإن زيد بن علي غارز ذنبه بالكوفة يبايع له، فألح في طلبه وأعطه الأمان، وإن لم يقبل فقاتله‏.‏

فتطلبه يوسف حتى كان من أمره ما تقدم، فلما ظهر على قبره حز رأسه وبعثه إلى هشام، وقام من بعده الوليد بن يزيد فأمر به فأنزل وحرق في أيامه، قبح الله الوليد بن يزيد‏.‏

فأما ابنه يحيى بن زيد بن علي فاستجار بعبد الملك بن بشر بن مروان، فبعث إليه يوسف بن عمر يتهدده حتى يحضره‏.‏

فقال له عبد الملك بن بشر‏:‏ ما كنت لآوي مثل هذا الرجل وهو عدونا وابن عدونا‏.‏

فصدقه يوسف بن عمر في ذلك، ولما هدأ الطلب عنه سيَّره إلى خراسان فخرج يحيى بن زيد في جماعة من الزيدية إلى خراسان فأقاموا بها هذه المدة‏.‏

قال أبو مخنف‏:‏ ولما قتل زيد خطب يوسف بن عمر أهل الكوفة فتهددهم وتوعدهم وشتمهم‏.‏

وقال لهم فيما قال‏:‏ والله لقد استأذنت أمير المؤمنين في قتل خلق منكم، ولو أذن لي لقتلت مقاتلكم وسبيت ذراريكم، وما صعدت لهذا المنبر إلا لأسمعكم ما تكرهون‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/363‏)‏

قال ابن جرير‏:‏ وفي هذه السنة قتل عبد الله البطال في جماعة من المسلمين بأرض الروم، ولم يزد ابن جرير على هذا، وقد ذكر هذا الرجل الحافظ ابن عساكر في تاريخه الكبير فقال‏:‏

عبد الله أبو يحيى المعروف‏:‏ بالبطال

كان ينزل إنطاكية، حكى عنه أبو مروان الأنطاكي، ثم روى بإسناده أن عبد الملك بن مروان حين عقد لابنه مسلمة على غزو بلاد الروم، ولى على رؤساء أهل الجزيرة والشام البطال، وقال لابنه‏:‏ سيره على طلائعك، وأمره فليعس بالليل العسكر، فإنه أمين ثقة مقدام شجاع‏.‏

وخرج معهم عبد الملك يشيعهم إلى باب دمشق‏.‏

قال‏:‏ فقدم مسلمة البطال على عشرة آلاف يكونون بين يديه ترساً من الروم أن يصلوا إلى جيش المسلمين‏.‏

قال محمد بن عائذ الدمشقي‏:‏ ثنا الوليد بن مسلمة، حدثني أبو مروان، - شيخ من أهل إنطاكية - قال‏:‏ كنت أغازي مع البطال وقد أوطأ الروم ذلاً‏.‏

قال البطال‏:‏ فسألني بعض ولاة بني أمية عن أعجب ما كان من أمري في مغازي فيهم، فقلت له‏:‏ خرجت في سرية ليلاً فدفعنا إلى قرية فقلت لأصحابي‏:‏ أرخوا لجم خيلكم ولا تحركوا أحداً بقتل ولا بشيء حتى تستمكنوا من القرية ومن سكانها، ففعلوا وافترقوا في أزقتها‏.‏

فدفعت في أناس من أصحابي إلى بيت يزهر سراجه، وإذا امرأة تسكت ابنها من بكائه، وهي تقول له‏:‏ لتسكتنَّ أو لأدفعنك إلى البطال يذهب بك، وانتشلته من سريره وقالت‏:‏ خذه يا بطال، قال‏:‏ فأخذته‏.‏

وروى محمد بن عائذ، عن الوليد بن مسلم، عن أبي مروان الأنطاكي، عن البطال، قال‏:‏ انفردت مرة ليس معي أحد من الجند، وقد سمطت خلفي مخلاة فيها شعير، ومعي منديل فيه خبز وشواء، فبينا أنا أسير لعلي ألقى أحداً منفرداً، أو أطلع على خبر، إذا أنا ببستان فيه بقول حسنة، فنزلت و أكلت من ذلك البقل بالخبز والشواء مع النقل، فأخذني إسهال عظيم قمت منه مراراً‏.‏

فخفت أن أضعف من كثرة الإسهال، فركبت فرسي والإسهال مستمر على حاله، وجعلت أخشى إن أنا نزلت عن فرسي أن أضعف عن الركوب، وأفرط بي الإسهال في السير حتى خشيت أن أسقط من الضعف، فأخذت بعنان الفرس ونمت على وجهي لا أدري أين يسير الفرس بي‏.‏

فلم أشعر إلا بقرع نعاله على بلاط، فأرفع رأسي فإذا دير، وإذا قد خرج منه نسوة صحبة امرأة حسناء جميلة جداً، فجعلت تقول بلسانها‏:‏ أنزلنه، فأنزلنني فغسلن عني ثيابي وسرجي وفرسي، ووضعنني على سرير وعملن لي طعاماً وشراباً، فمكثت يوماً وليلة مستوياً، ثم أقمت بقية ثلاثة أيام حتى ترد إلي حالي‏.‏

فبينا أنا كذلك إذ أقبل البطريق وهو يريد أن يتزوجها، فأمرت بفرسي فحول وعلق على الباب الذي أنا فيه، وإذا هو بطريق كبير فيهم، وهو إنما جاء لخطبتها، فأخبره من كان هنالك بأن هذا البيت فيه رجل وله فرس، فهمَّ بالهجوم عليَّ فمنعته المرأة من ذلك، وأرسلت تقول له‏:‏ إن فتح عليه الباب لم أقض حاجته، فثناه ذلك عن الهجوم عليَّ، وأقام البطريق إلى آخر النهار في ضيافتهم، ثم ركب فرسه وركب معه أصحابه وانطلق‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/364‏)‏

قال البطال‏:‏ فنهضت في أثرهم فهمَّت أن تمنعني خوفاً عليَّ منهم فلم أقبل، وسقت حتى لحقتهم، فحملت عليه فانفرج عنه أصحابه، وأراد الفرار فألحقه فأضرب عنقه واستلبته وأخذت رأسه مسمطاً على فرسي، ورجعت إلى الدير، فخرجن إلي ووقفن بين يدي، فقلت‏:‏ اركبن، فركبن ما هنالك من الدواب وسقت بهن حتى أتيت أمير الجيش فدفعتهن إليه، فنفلني ما شئت منهن، فأخذت تلك المرأة الحسناء بعينها، فهي أم أولادي‏.‏

والبطريق في لغة الروم‏:‏ عبارة عن الأمير الكبير فيهم، وكان أبوها بطريقاً كبيراً فيهم - يعني‏:‏ تلك المرأة - وكان البطال بعد ذلك يكاتب أباها ويهاديه‏.‏

وذكر أن عبد الملك بن مروان لما ولاه المصيصة بعث البطال سرية إلى أرض الروم، فغاب عنه خبرها فلم يدر ما صنعوا، فركب بنفسه وحده على فرس له وصار حتى وصل عمورية، فطرق بابها ليلاً، فقال له البواب‏:‏ من هذا‏؟‏

قال البطال‏:‏ فقلت أنا سياف الملك ورسوله إلى البطريق، فأخذ لي طريقاً إليه، فلما دخلت عليه إذا هو جالس على سرير فجلست معه على السرير إلى جانبه، ثم قلت له‏:‏ إني قد جئتك في رسالة فمر هؤلاء فلينصرفوا، فأمر من عنده فذهبوا‏.‏

قال‏:‏ ثم قام فأغلق باب الكنيسة علي وعليه، ثم جاء فجلس مكانه، فاخترطت سيفي وضربت به رأسه صفحاً‏.‏

وقلت له‏:‏ أنا البطال فأصدقني عن السرية التي أرسلتها إلى بلادك وإلا ضربت عنقك الساعة، فأخبرني ما خبرها‏.‏

فقال‏:‏ هم في بلادي ينتهبون ما تهيأ لهم، وهذا كتاب قد جاءني يخبر أنهم في وادي كذا وكذا، والله لقد صدقتك‏.‏

فقلت‏:‏ هات الأمان، فأعطاني الأمان‏.‏

فقلت‏:‏ إيتني بطعام، فأمر أصحابه فجاؤوا بطعام فوضع لي، فأكلت فقمت لأنصرف‏.‏

فقال لأصحابه‏:‏ اخرجوا بين يدي رسول الملك، فانطلقوا يتعادون بين يدي، وانطلقت إلى ذلك الوادي الذي ذكر فإذا أصحابي هنالك، فأخذتهم ورجعت إلى المصيصة‏.‏ فهذا أغرب ما جرى‏.‏

قال الوليد‏:‏ وأخبرني بعض شيوخنا أنه رأى البطال وهو قافل من حجته، وكان قد شغل بالجهاد عن الحج، وكان يسأل الله دائماً الحج ثم الشهادة، فلم يتمكن من حجة الإسلام إلا في السنة التي استشهد فيها رحمه الله تعالى‏.‏

وكان سبب شهادته أن اليون ملك الروم خرج من القسطنطينية في مائة ألف فارس، فبعث البطريق - الذي‏:‏ البطال متزوج بابنته التي ذكرنا أمرها - إلى البطال يخبره بذلك، فأخبر البطال أمير عساكر المسلمين بذلك، وكان الأمير مالك بن شبيب‏.‏

وقال له‏:‏ المصلحة تقتضي أن نتحصن في مدينة حران، فنكون بها حتى يقدم علينا سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية‏.‏

فأبى عليه ذلك ودهمهم الجيش، فاقتتلوا قتالاً شديداً والأبطال تحوم بين يدي البطال ولا يتجاسر أحد أن ينوه باسمه خوفاً عليه من الروم‏.‏

فاتفق أن ناداه بعضهم وذكر اسمه غلطاً منه، فلما سمع ذلك فرسان الروم حملوا عليه حملة واحدة، فاقتلعوه من سرجه برماحهم فألقوه إلى الأرض، ورأى الناس يقتلون ويأسرون، وقتل الأمير الكبير مالك بن شبيب، وانكسر المسلمون وانطلقوا إلى تلك المدينة الخراب فتحصنوا فيها‏.‏

وأصبح ليون فوقف على مكان المعركة فإذا البطال بآخر رمق، فقال له ليون‏:‏ ما هذا يا أبا يحيى‏؟‏

فقال‏:‏ هكذا تقتل الأبطال‏.‏

فاستدعى ليون بالأطباء ليداووه فإذا جراحه قد وصلت إلى مقاتله‏.‏

فقال له ليون‏:‏ هل من حاجة يا أبا يحيى‏؟‏

قال‏:‏ نعم، فأمر من معك من المسلمين أن يلوا غسلي والصلاة علي ودفني‏.‏

ففعل الملك ذلك وأطلق لأجل ذلك أولئك الأسارى‏.‏

وانطلق ليون إلى جيش المسلمين الذين تحصنوا فحاصرهم، فبينما هم في تلك الشدة والحصار إذ جائتهم البرد بقدوم سليمان بن هشام في الجيوش الإسلامية، ففر ليون في جيشه الخبيث هارباً راجعاً إلى بلاده، قبحه الله، فدخل القسطنطينية وتحصن بها‏.‏

قال خليفة بن خياط‏:‏ كانت وفاة البطال ومقتله بأرض الروم في سنة إحدى وعشرين ومائة‏.‏

وقال ابن جرير‏:‏ في سنة ثنتين وعشرون ومائة‏.‏

وقال ابن حسان الزيادي‏:‏ قتل في سنة ثلاث عشرة ومائة‏.‏

وقيل‏:‏ قد قال غيره‏:‏ وإنه قتل هو والأمير عبد الوهاب بن بخت في سنة ثلاث عشر ومائة كما ذكرنا ذلك، فالله أعلم، ولكن ابن جرير لم يؤرخ وفاته إلا في هذه السنة، فالله أعلم‏.‏

قلت‏:‏ فهذا ملخص ابن عساكر في ترجمة البطال مع تفصيلة للأخبار واطلاعه عليها، وأما ما يذكره العامة عن البطال من السيرة المنسوبة إلى دلهمة والبطال والأمير عبد الوهاب والقاضي عقبة، فكذب وافتراء ووضع بارد، وجهل وتخبط فاحش، لا يروج ذلك إلا على غبي أو جاهل ردي‏.‏

كما يروج عليهم سيرة عنترة العبسي المكذوبة، وكذلك سيرة البكري والدنف وغير ذلك، والكذب المفتعل في سيرة البكري أشد إثماً وأعظم جرماً من غيرها، لأن واضعها يدخل في قول النبي صلى الله عليه و سلم‏:‏ ‏(‏‏(‏من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار‏)‏‏)‏‏.‏

 وممن توفي في هذه السنة من الأعيان‏:‏

 إياس الذكي

وهو إياس بن معاوية بن مرة بن إياس بن هلال بن رباب بن عبيد بن دريد بن أوس بن سواه بن عمرو بن سارية بن ثعلبة بن ذبيان بن ثعلبة بن أوس بن عثمان بن عمرو بن أدّ بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، هكذا نسبه خليفة بن خياط، وقيل غير ذلك في نسبه‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/366‏)‏

وهو أبو واثلة المزني قاضي البصرة، وهو تابعي، ولجده صحبة، وكان يضرب المثل بذكائه‏.‏

روى عن‏:‏ أبيه، عن جده، مرفوعاً في الحياء، وعن أنس، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، ونافع، وأبي مجلز‏.‏

وعنه‏:‏ الحمادان، وشعبة، والأصمعي، وغيرهم‏.‏

قال عنه محمد بن سيرين‏:‏ إنه لفهمٌ إنه لفهمٌ‏.‏

وقال محمد بن سعد والعجلي وابن معين والنسائي‏:‏ ثقة‏.‏

زاد ابن سعد‏:‏ وكان عاقلاً من الرجال فطناً‏.‏

وزاد العجلي‏:‏ وكان فقيهاً عفيفاً‏.‏

وقدم دمشق في أيام عبد الملك بن مروان، ووفد على عمر بن عبد العزيز، ومرة أخرى حين عزله عدي بن أرطأة عن قضاء البصرة‏.‏

قال أبو عبيدة وغيره‏:‏ تحاكم إياس وهو صبي شاب وشيخ إلى قاضي عبد الملك بن مروان بدمشق، فقال له القاضي‏:‏ إنه شيخ وأنت شاب فلا تساوه في الكلام‏.‏

فقال إياس‏:‏ إن كان كبيراً فالحق أكبر منه‏.‏

فقال له القاضي‏:‏ اسكت‏.‏

فقال‏:‏ ومن يتكلم بحجتي إذا سكت‏؟‏

فقال القاضي‏:‏ ما أحسبك تنطق بحق في مجلسي هذا حتى تقوم‏.‏

فقال إياس‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله، زاد غيره‏.‏

فقال القاضي‏:‏ ما أظنك إلا ظالماً له‏.‏

فقال‏:‏ ما على ظن القاضي خرجت من منزلي‏.‏

فقام القاضي فدخل على عبد الملك فأخبره خبره فقال‏:‏ اقض حاجته وأخرجه الساعة من دمشق لا يفسد على الناس‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ لما عزله عدي بن أرطأة عن قضاء البصرة فرَّ منه إلى عمر بن عبد العزيز فوجده قد مات، فكان يجلس في حلقة في جامع دمشق، فتكلم رجل من بني أمية فرد عليه إياس، فأغلط له الأموي فقام إياس، فقيل للأموي‏:‏ هذا إياس بن معاوية المزني، فلما عاد من الغد اعتذر له الأموي وقال‏:‏ لم أعرفك، وقد جلست إلينا بثياب السوقة وكلمتنا بكلام الأشراف فلم نحتمل ذلك‏.‏

وقال يعقوب بن سفيان‏:‏ حدثنا نعيم بن حماد، ثنا ضمرة، عن أبي شوذب، قال‏:‏ كان يقال‏:‏ يولد في كل مائة سنة رجل تام العقل، فكانوا يرون أن إياس بن معاوية منهم‏.‏

وقال العجلي‏:‏ دخل على إياس ثلاث نسوة فلما رآهن قال‏:‏ أما إحداهن فمرضع، والأخرى بكر، والأخرى ثيب، فقيل له‏:‏ بم علمت هذا‏؟‏

فقال‏:‏ أما المرضع فكلما قعدت أمسكت ثديها بيدها، وأما البكر فكلما دخلت لم تلتفت إلى أحد، وأما الثيب فكلما دخلت نظرت ورمت بعينها‏.‏

وقال يونس بن صعلب‏:‏ ثنا الأحنف بن حكيم بأصبهان، ثنا حماد بن سلمة، سمعت إياس بن معاوية، يقول‏:‏ أعرف الليلة التي ولدت فيها، وضعت أمي على رأسي جفنة‏.‏

وقال المدائني‏:‏ قال إياس بن معاوية لأمه‏:‏ ما شيء سمعتيه وأنت حامل بي وله جلبة شديدة‏؟‏

قالت‏:‏ ذاك طست من نحاس سقط من فوق الدار إلى أسفل، ففزعت فوضعتك تلك الساعة‏.‏

وقال أبو بكر الخرائطي‏:‏ عن عمر بن شيبة النميري، قال‏:‏ بلغني أن إياساً قال‏:‏ ما يسرني أن أكذب كذبة يطلع عليها أبي معاوية‏.‏

وقال‏:‏ ما خاصمت أحداً من أهل الأهواء بعقلي كله إلا القدرية، قلت لهم‏:‏ أخبروني عن الظلم ما هو‏؟‏

قالوا‏:‏ أخذ الإنسان ما ليس له‏.‏

قلت‏:‏ فإن الله له كل شيء‏.‏

قال بعضهم‏:‏ عن إياس، قال‏:‏ كنت في الكتاب وأنا صبي فجعل أولاد النصارى يضحكون من المسلمين ويقولون‏:‏ إنهم يزعمون أنه لا فضلة لطعام أهل الجنة، فقلت للفقيه - وكان نصرانياً - ألست تزعم أن في الطعام ما ينصرف في غذاء البدن‏؟‏

قال‏:‏ بلى‏.‏

قلت‏:‏ فما ينكر أن يجعل الله طعام أهل الجنة كله غذاء لأبدانهم‏؟‏

فقال له معلمه‏:‏ ما أنت إلا شيطان‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/367‏)‏

وهذا الذي قاله إياس وهو صغير بعقله قد ورد به الحديث الصحيح كما سنذكره إن شاء الله في أهل الجنة أن طعامهم ينصرف جشاء وعرقاً كالمسك، فإذا البطن ضامر‏.‏

وقال سفيان‏:‏ وحين قدم إياس واسط فجاءه ابن شبرمة بمسائل قد أعدها، فقال له‏:‏ أتأذن لي أن أسألك‏؟‏

قال‏:‏ سل‏.‏

وقد ارتبت حين استأذنت، فسأله عن سبعين مسألة يجيبه فيها، ولم يختلفا إلا في أربع مسائل، رده إياس إلى قوله‏.‏

ثم قال له إياس‏:‏ أتقرأ القرآن‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ أتحفظ قوله‏:‏ ‏{‏الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 3‏]‏‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ وما قبلها وما بعدها‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فهل أبقت هذه الآية لآل شبرمة رأياً‏؟‏

وقال عباس‏:‏ عن يحيى بن معين، حدثنا سعيد بن عامر بن عمر بن علي، قال‏:‏ قال رجل لإياس بن معاوية‏:‏ يا أبا واثلة حتى متى يبقى الناس‏؟‏ وحتى متى يتوالد الناس ويموتون‏؟‏

فقال لجلسائه‏:‏ أجيبوه‏.‏

فلم يكن عندهم جواب‏.‏

فقال إياس‏:‏ حتى تتكامل العدتان‏:‏ عدة أهل الجنة، وعدة أهل النار‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ اكترى إياس بن معاوية من الشام قاصداً الحج، فركب معه في المحارة غيلان القدري، ولا يعرف أحدهما صاحبه، فمكثا ثلاثاً لا يكلم أحدهما الآخر، فلما كان بعد ثلاث تحادثا فتعارفا وتعجب كل واحد منهما من اجتماعه مع صاحبه، لمباينة ما بينها في الاعتقاد في القدر‏.‏

فقال له إياس‏:‏ هؤلاء أهل الجنة يقولون حين يدخلون الجنة‏:‏ ‏{‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 43‏]‏

ويقول أهل النار‏:‏ ‏{‏رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا‏}‏ ‏[‏المؤمنون‏:‏ 106‏]‏

وتقول الملائكة‏:‏ ‏{‏سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 32‏]‏

ثم ذكر له من أشعار العرب وأمثال العجم ما فيه إثبات القدر، ثم اجتمع مرة أخرى إياس وغيلان عند عمر بن عبد العزيز فناظر بينهما فقهره إياس، ومازال يحصره في الكلام حتى اعترف غيلان بالعجز وأظهر التوبة، فدعا عليه عمر بن عبد العزيز إن كان كاذباً، فاستجاب الله منه فأمكن من غيلان فقتل وصلب بعد ذلك، ولله الحمد والمنة‏.‏

ومن كلام إياس الحسن‏:‏ لأن يكون في فعال الرجال فضل عن مقاله خير من أن يكون في مقاله فضل عن فعاله‏.‏

وقال سفيان بن حسين‏:‏ ذكرت رجلاً بسوء عند إياس بن معاوية فنظر في وجهي، وقال‏:‏ أغزوت الروم‏؟‏

قلت‏:‏ لا ‏!‏

قال‏:‏ السند والهند والترك‏؟‏

قلت‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ أفسلم منك الروم والسند والهند والترك ولم يسلم منك أخوك المسلم‏؟‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/368‏)‏

قال‏:‏ فلم أعد بعدها‏.‏

وقال الأصمعي، عن أبيه‏:‏ رأيت إياس بن معاوية في بيت ثابت البناني، وإذا هو أحمر طويل الذراع غليظ الثياب، يلون عمامته، وهو قد غلب على الكلام فلا يتكلم معه أحد إلا علاه‏.‏

وقد قال له بعضهم‏:‏ ليس فيك عيب سوى كثرة كلامك‏.‏

فقال‏:‏ بحق أتكلم أم بباطل‏؟‏

فقيل‏:‏ بل بحق‏.‏

فقال‏:‏ كلما كثر الحق فهو خير‏.‏

ولامه بعضهم في لباسه الثياب الغليظ فقال‏:‏ إنما ألبس ثوباً يخدمني ولا ألبس ثوباً أخدمه‏.‏

وقال الأصمعي‏:‏ قال إياس بن معاوية‏:‏ إن أشرف خصال الرجل صدق اللسان، ومن عدم فضيلة الصدق فقد فجع بأكرم أخلاقه‏.‏

وقال بعضهم‏:‏ سأل رجل إياساً عن النبيذ فقال‏:‏ هو حرام‏.‏

فقال الرجل‏:‏ فأخبرني عن الماء‏؟‏ فقال‏:‏ حلال‏.‏

قال‏:‏ فالكسور، قال‏:‏ حلال‏.‏

قال‏:‏ فالتمر، قال‏:‏ حلال‏.‏

قال‏:‏ فما باله إذا اجتمع حرم‏؟‏

فقال إياس‏:‏ أرأيت لو رميتك بهذه الحفنة من التراب أتوجعك‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏

قال‏:‏ فهذه الحفنة من التبن‏؟‏ قال‏:‏ لا توجعني‏.‏

قال‏:‏ فهذه الغرفة من الماء‏؟‏ قال‏:‏ لا توجعني شيئاً‏.‏

قال‏:‏ أفرأيت إن خلطت هذا بهذا وهذا بهذا حتى صار طيناً ثم تركته حتى استحجر ثم رميتك أيوجعك‏؟‏ قال‏:‏ أي والله وتقتلني‏.‏

قال‏:‏ فكذلك تلك الأشياء إذا اجتمعت‏.‏

وقال المدائني‏:‏ بعث عمر بن عبد العزيز عدي بن أرطأة على البصرة نائباً وأمره أن يجمع بين إياس والقاسم بن ربيعة الجوشني، فأيهما كان أفقه فليوله القضاء‏.‏

فقال إياس وهو يريد أن لا يتولى‏:‏ أيها الرجل سل فقيهي البصرة‏:‏ الحسن وابن سيرين، وكان إياس لا يأتيهما، فعرف القاسم أنه إن سألهما أشارا به - يعني‏:‏ بالقاسم - لأنه كان يأيتيهما‏.‏

فقال القاسم لعدي‏:‏ والله الذي لا إله إلا هو إن إياساً أفضل مني وأفقه مني، وأعلم بالقضاء، فإن كنت صادقاً فولِّه، وإن كنت كاذباً فما ينبغي أن تولي كاذباً القضاء‏.‏

فقال إياس‏:‏ هذا رجل أوقف على شفير جهنم فافتدى منها بيمين كاذبة يستغفر الله‏.‏

فقال عدي‏:‏ أما إذ فطنت إلى هذا فقد وليتك القضاء‏.‏

فمكث سنة يفصل بين الناس ويصلح بينهم، وإذا تبين له الحق حكم به، ثم هرب إلى عمر بن عبد العزيز بدمشق فاستعفاه القضاء، فولى عدي بعده الحسن البصري‏.‏

قالوا‏:‏ لما تولى إياس القضاء بالبصرة فرح به العلماء حتى قال أيوب‏:‏ لقد رموها بحجرها‏.‏

وجاءه الحسن وابن سيرين فسلما عليه، فبكى إياس وذكر الحديث‏:‏ ‏(‏‏(‏القضاة ثلاثة‏:‏ قاضيان في النار وواحد في الجنة‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الحسن‏:‏ ‏{‏وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ‏}‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَكُلّاً آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً‏}‏ ‏[‏الأنبياء‏:‏ 78-79‏]‏‏.‏

قالوا‏:‏ ثم جلس للناس في المسجد واجتمع عليه الناس للخصومات، فما قام حتى فصل سبعين قضية، حتى كان يشبه بشريح القاضي‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/369‏)‏

وروي أنه كان إذا أشكل عليه شيء بعث إلى محمد بن سيرين فسأله منه‏.‏

وقال إياس‏:‏ إني لأكلم الناس بنصف عقلي، فإذا اختصم إلي اثنان جمعت لهما عقلي كله‏.‏

وقال له رجل‏:‏ إنك لتعجب برأيك، فقال‏:‏ لولا ذلك لم أقض به‏.‏

وقال له آخر‏:‏ إن فيك خصالاً لا تعجبني‏.‏

فقال‏:‏ ما هي‏؟‏

فقال‏:‏ تحكم قبل أن تفهم، ولا تجالس كل أحد، وتلبس الثياب الغليظة‏.‏

فقال له‏:‏ أيها أكثر الثلاثة أو الاثنان‏؟‏

قال‏:‏ الثلاثة‏.‏

فقال‏:‏ ما أسرع ما فهمت وأجبت‏.‏

فقال‏:‏ أو يجهل هذا أحد‏؟‏

فقال‏:‏ وكذلك ما أحكم أنا به، وأما مجالستي لكل أحد فلأن أجلس مع من يعرف لي قدري أحب إلي من أن أجلس مع من لا يعرف لي قدري، وأما الثياب الغلاظ فأنا ألبس منها ما يقيني لا ما أقيه أنا‏.‏

قالوا‏:‏ وتحاكم إليه اثنان فادَّعى أحدهما عند الآخر مالاً، وجحده الآخر، فقال إياس للمودع‏:‏ أين أودعته‏؟‏

قال‏:‏ عند شجرة في بستان‏.‏

فقال‏:‏ انطلق إليها فقف عندها لعلك تتذكر‏.‏

وفي رواية‏:‏ أنه قال له‏:‏ هل تستطيع أن تذهب إليها فتأتي بورق منها‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏

قال‏:‏ فانطلق، وجلس الآخر فجعل إياس يحكم بين الناس ويلاحظه، ثم استدعاه فقال له‏:‏ أوصل صاحبك بعد إلى المكان‏؟‏

فقال‏:‏ لا بعد أصلحك الله‏.‏

فقال له‏:‏ قم يا عدو الله فأدِّ إليه حقه وإلا جعلتك نكالاً‏.‏

وجاء ذلك الرجل فقام معه فدفع إليه وديعته بكمالها‏.‏

وجاء آخر فقال له‏:‏ إني أودعت عند فلان مالاً وقد جحدني‏.‏

فقال له‏:‏ اذهب الآن وائتني غداً‏.‏

وبعث من فوره إلى ذلك الرجل الجاحد فقال له‏:‏ إنه قد اجتمع عندنا ههنا مال فلم نر له أميناً نضعه عنده إلا أنت، فضعه عندك في مكان حريز‏.‏

فقال له‏:‏ سمعاً وطاعةً‏.‏

فقال له‏:‏ اذهب الآن وائتني غداً‏.‏

وأصبح وذلك الرجل صاحب الحق فجاء فقال له‏:‏ اذهب الآن إليه، فقل له‏:‏ أعطني حقي وإلا رفعتك إلى القاضي‏.‏

فقال له ذلك فخاف أن لا يودع إذا سمع الحاكم خبره، فدفع إليه ماله بكماله، فجاء إلى إياس فأعلمه، ثم جاء ذلك الرجل من الغد رجاء أن يودع فانتهره إياس وطرده، وقال له‏:‏ أنت خائن‏.‏

وتحاكم إليه اثنان في جارية فادعى المشتري أنها ضعيفة العقل‏.‏

فقال لها إياس‏:‏ أي رجليك أطول‏؟‏

فقالت‏:‏ هذه‏.‏

فقال لها‏:‏ أتذكرين ليلة ولدت‏؟‏

فقالت‏:‏ نعم‏.‏

فقال للبائع‏:‏ رد رد‏.‏

وروى ابن عساكر‏:‏ أن إياساً سمع صوت امرأة من بيتها فقال‏:‏ هذه امرأة حامل بصبي، فلما ولدت ولدت كما قال، فسئل‏:‏ بم عرفت‏؟‏ قال‏:‏ سمعت صوتها ونفسها معه فعلمت أنها حامل، وفي صوتها ضحل فعلمت أنه غلام‏.‏

قالوا‏:‏ ثم مر يوماً ببعض المكاتب فإذا صبي هنالك، فقال‏:‏ إن كنت أدري شيئاً فهذا الصبي ابن تلك المرأة، فإذا هو ابنها‏.‏

وقال مالك‏:‏ عن الزهري، عن أبي بكر، قال‏:‏ شهد رجل عند إياس فقال له‏:‏ ما اسمك‏؟‏

فقال‏:‏ أبو العنفر، فلم يقبل شهادته‏.‏

وقال الثوري‏:‏ عن الأعمش‏:‏ دعوني إلى إياس فإذا رجل كلما فرغ من حديث أخذ في آخر‏.‏

وقال إياس‏:‏ كل رجل لا يعرف عيب نفسه فهو أحمق، فقيل له‏:‏ ما عيبك‏؟‏ فقال‏:‏ كثرة الكلام‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/370‏)‏

قالوا‏:‏ ولما ماتت أمه بكى عليها فقيل له في ذلك، فقال‏:‏ كان لي بابان مفتوحان إلى الجنة فغلق أحدهما‏.‏

وقال له أبوه‏:‏ إن الناس يلدون أبناء وولدت أنا أباً‏.‏

وكان أصحابه يجلسون حوله ويكتبون عنه الفراسة، فبينما هم حوله جلوس إذ نظر إلى رجل قد جاء فجلس على دكة حانوت، وجعل كلما مر أحد ينظر إليه، ثم قام فنظر في وجه الرجل ثم عاد، فقال لأصحابه‏:‏ هذا فقيه كتاب قد أبق له غلام أعور فهو يتطلبه‏.‏

فقاموا إلى ذلك الرجل فسألوه فوجدوه كما قال إياس‏.‏

فقالوا لإياس‏:‏ من أين عرفت ذلك‏؟‏

فقال‏:‏ لما جلس على دكة الحانوت علمت أنه ذو ولاية، ثم نظرت فإذا هو لا يصلح إلا لفقهاء المكتب، ثم جعل ينظر إلى كل من مر به فعرفت أنه قد فقد غلاماً، ثم لما قام فنظر إلى وجه ذلك الرجل من الجانب الآخر، عرفت أن غلامه أعور‏.‏

وقد أورد ابن خلكان أشياء كثيرة في ترجمته، من ذلك أنه شهد عنده رجل في بستان فقال له‏:‏ كم عدد أشجاره‏؟‏

فقال له‏:‏ كم عدد جذوع هذا المجلس الذي أنت فيه من مدة سنين‏؟‏

فقلت‏:‏ لا أدري وأقررت شهادته‏.‏

 ثم دخلت سنة ثلاث عشرين ومائة

ذكر المدائني عن شيوخه‏:‏ أن خاقان ملك الترك لما قتل في ولاية أسد بن عبد الله القسري على خراسان، تفرق شمل الأتراك، وجعل بعضهم يغير على بعض، وبعضهم يقتل بعضاً، حتى كادت أن تخرب بلادهم، واشتغلوا عن المسلمين‏.‏

وفيها سأل أهل الصغد من أمير خراسان نصر بن سيار أن يردهم إلى بلادهم، وسألوه شروطاً أنكرها العلماء، منها‏:‏ أن لا يعاقب من ارتد منهم عن الإسلام، ولا يؤخذ أسير المسلمين منهم، وغير ذلك، فأراد أن يوافقهم على ذلك لشدة نكايتهم في المسلمين، فعاب عليه الناس ذلك‏.‏

فكتب إلى هشام في ذلك فتوقف، ثم رأى أن هؤلاء إذا استمروا على معاندتهم للمسلمين كان ضررهم أشد، أجابهم إلى ذلك‏.‏

وقد بعث يوسف بن عمر أمير العراق وفداً إلى أمير المؤمنين يسأل منه أن يضم إليه نيابة خراسان، وتكلموا في نصر بن سيار بأنه وإن كان شهماً شجاعاً، إلا أنه قد كبر وضعف بصره فلا يعرف الرجل إلا من قريب بصوته، وتكلموا فيه كلاماً كثيراً، فلم يلتفت إلى ذلك هشام، واستمر به على إمرة خراسان وولايتها‏.‏

قال ابن جرير‏:‏ وحج بالناس فيها يزيد بن هشام بن عبد الملك‏.‏

والعمال فيها من تقدم ذكرهم في التي قبلها‏.‏

 وتوفي في هذه السنة‏:‏

ربيعة بن يزيد القصير

من أهل دمشق

وأبو يونس سليمان بن جبير

وسماك بن حرب

ومحمد بن واسع بن حيان

وقد ذكرنا تراجمهم في كتابنا التكميل، ولله الحمد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/371‏)‏

قال محمد بن واسع‏:‏ أول من يدعى يوم القيامة إلى الحساب القضاة‏.‏

وقال‏:‏ خمس خصال تميت القلب‏:‏ الذنب على الذنب، ومجالسة الموتى‏.‏

قيل له‏:‏ ومن الموتى‏؟‏

قال‏:‏ كل غني مترف، وسلطان جائر‏.‏ وكثرة مشاقة النساء، وحديثهن، ومخالطة أهله‏.‏

‏(‏ج/ص‏:‏ 9/371‏)‏

وقال مالك بن دينار‏:‏ إني لأغبط الرجل يكون عيشه كفافاً فيقنع به‏.‏

فقال محمد بن واسع‏:‏ أغبط منه والله عندي من يصبح جائعاً وهو عن الله راض‏.‏

وقال‏:‏ ما آسى عن الدنيا إلا على ثلاث‏:‏ صاحب إذا اعوججت قومني، وصلاة في جماعة يحمل عني سهوها وأفوز بفضلها، وقوت من الدنيا ليس لأحد فيه منة، ولا لله علي فيه تبعة‏.‏

وروى رواد بن الربيع قال‏:‏ رأيت محمد بن واسع بسوق بزور وهو يعرض حماراً له للبيع، فقال له رجل‏:‏ أترضاه لي‏؟‏

فقال‏:‏ لو رضيته لم أبعه‏.‏

ولما ثقل محمد بن واسع كثر عليه الناس في العيادة، قال بعض أصحابه‏:‏ فدخلت عليه فإذا قوم قعود وقوم قيام‏.‏

فقال‏:‏ ماذا يغني هؤلاء عني إذا أخذ بناصيتي وقدمي غداً وألقيت في النار ‏؟‏‏!‏

وبعث بعض الخلفاء مالاً مستكثراً إلى البصرة ليفرق في فقراء أهلها، وأمر أن يدفع إلى محمد بن واسع منه فلم يقبله ولم يلتمس منه شيئاً، وأما مالك بن دينار فإنه قبل ما أمر له به، واشترى به أرقاء وأعتقهم ولم يأخذ لنفسه منه شيئاً، فجاءه محمد بن واسع يلومه على قبوله جوائز السلطان‏.‏

فقال له‏:‏ يا مالك قبلت جوائز السلطان‏؟‏

فقال له مالك‏:‏ يا أبا عبد الله ‏!‏ سل أصحابي ماذا فعلت منه‏؟‏

فقالوا له‏:‏ إنه اشترى به أرقاء وأعتقهم‏.‏

فقال له‏:‏ سألتك بالله أقلبك الآن لهم مثل ما كان قبل أن يصلوك‏؟‏

فقام مالك وحثى على رأسه التراب وقال‏:‏ إنما يعرف الله محمد بن واسع، إنما مالك حمار، إنما مالك حمار‏.‏

وكلام محمد بن واسع كثير جداً رحمه الله‏.‏

 ثم دخلت سنة أربع وعشرين ومائة

فيها غزا سليمان بن هشام بن عبد الملك بلاد الروم، فلقي ملك الروم اليون فقاتله فسلم سليمان وغنم‏.‏

وفيها قدم جماعة من دعاة بني العباس من بلاد خراسان قاصدين إلى مكة، فمروا بالكوفة فبلغهم أن في السجن جماعة من الأمراء من نواب خالد القسري، قد حبسهم يوسف بن عمر، فاجتمعوا بهم في السجن فدعوهم إلى البيعة لبني العباس، وإذا عندهم من ذلك جانب كبير، فقبلوا منهم‏.‏

ووجدوا عندهم في السجن أبا مسلم الخراساني، وهو إذ ذاك غلام يخدم عيسى بن مقبل العجلي، وكان محبوساً فأعجبهم شهامته وقوته واستجابته مع مولاه إلى هذا الأمر، فاشتراه بكر بن ماهان منه بأربعمائة درهم وخرجوا به معهم فاستندبوه لهذا الأمر، فكانوا لا يوجهونه إلى مكان إلا ذهب ونتج ما يوجهونه إليه، ثم كان من أمره ما سنذكره إن شاء الله تعالى فيما بعد‏.‏ ‏(‏ج/ص‏:‏ 9/372‏)‏

قال الواقدي‏:‏ ومات في هذه السنة محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، و هو الذي يدعو إليه دعاة بني العباس، فقام مقامه ولده أبو العباس السفاح، والصحيح أنه إنما توفي في التي بعدها‏.‏

قال الواقدي وأبو معشر‏:‏ وحج بالناس فيها عبد العزيز بن الحجاج بن عبد الملك، ومعه امرأته أم مسلم بن هشام بن عبد الملك‏.‏

وقيل‏:‏ إنما حج بالناس محمد بن هشام بن إسماعيل قاله الواقدي، والأول ذكره ابن جرير، والله أعلم‏.‏

وكان نائب الحجاز محمد بن هشام بن إسماعيل يقف على باب أم مسلم ويهدي إليها الألطاف والتحف، ويعتذر إليها من التقصير وهي لا تلتفت إلى ذلك‏.‏

ونواب البلاد هم المذكورين في التي قبلها‏.‏